مركز الثقافة والمعارف القرآنية

578

علوم القرآن عند المفسرين

قال القاسمي في قاعدة الناسخ والمنسوخ : « قد تقرر أن النسخ في الشرائع جائز ، موافق للحكمة وواقع ، فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم . وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة . وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة . لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ ، إنما تشرع لمصلحة البشر . والمصلحة تختلف باختلاف الزمان ، فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه . وكما تنسخ شريعة بأخرى ، يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة . فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم ، فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة . وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين . ولكنّ هناك خلافا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن . فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسر الشهير : ليس في القرآن آية منسوخة ، وهو يخرّج كل ما قالوا : إنه منسوخ ، على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل . وظاهر ، أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ للقرآن ، وإنما هي نسخ لحكم ، لا ندري هل فعله النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم باجتهاده ، أم بأمر من اللّه تعالى غير القرآن ، فإن الوحي غير محصور في القرآن . ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن ، بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب ، يعبد اللّه تعالى بتلاوتها ، وتذكر نعمته ، بالانتقال من حكم كان موافقا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام ، إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان . فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه . كالتخفيف في تكليف المؤمنين بقتال عشرة أمثالهم ، والاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المائة مائتين . واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية ، وعلم تاريخهما ، فعند ذلك يقال : إن الثانية ناسخة للأولى . أما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها . وقال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه اللّه تعالى : « مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة - وهو اصطلاح المتأخرين - ورفع دلالة العام والمطلق